الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

308

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

مالك في قراءة اليسير منه كالآية والآيتين ، ولم يشترط أحد من أهل العلم الوضوء على قارئ القرآن . واختلف في قراءته للحائض والنفساء . وعن مالك في ذلك روايتان ، وأحسب أن رواية الجواز مراعى فيها أن انتقاض طهارتهما تطول مدته فكان ذلك سببا في الترخيص . [ 81 ] [ سورة الواقعة ( 56 ) : آية 81 ] أَ فَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ ( 81 ) الفاء تفريع على ما سيق لأجله الكلام الذي قبلها في غرضه من التنويه بشأن القرآن ، وهو الذي بحذو الفاء ، أو من إثبات البعث والجزاء وهو الذي حواه معظم السورة ، وكان التنويه بالقرآن من مسبّباته . وأطبق المفسرون عدا الفخر على أن اسم الإشارة وبيانه بقوله : فَبِهذَا الْحَدِيثِ مشير إلى القرآن لمناسبة الانتقال من التنويه بشأنه إلى الإنكار على المكذبين به . فالتفريع على قوله : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [ الواقعة : 77 ] الآية . والمراد ب الْحَدِيثِ إخبار اللّه تعالى بالقرآن وإرادة القرآن من مثل قوله : أَ فَبِهذَا الْحَدِيثِ واردة في القرآن ، أي في قوله في سورة القلم [ 44 ] فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ وقوله في سورة النجم [ 59 ] أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ . ويكون العدول عن الإضمار إلى اسم الإشارة بقوله : أَ فَبِهذَا الْحَدِيثِ دون أن يقول : أفبه أنتم مدهنون ، إخراجا للكلام على خلاف مقتضى الظاهر لتحصل باسم الإشارة زيادة التنويه بالقرآن . وأما الفخر فجعل الإشارة من قوله : أَ فَبِهذَا الْحَدِيثِ إشارة إلى ما تحدثوا به من قبل في قوله تعالى : وَكانُوا يَقُولُونَ أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَ وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ [ الواقعة : 47 ، 48 ] ، فإن اللّه رد عليهم ذلك بقوله : قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ [ الواقعة : 49 ] الآية . وبين أن ذلك كله إخبار من اللّه بقوله : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [ الواقعة : 77 ] ثم عاد إلى كلامهم فقال : أفبهذا الحديث الذي تتحدثون به أنتم مدهنون لأصحابكم اه ، أي على معنى قوله تعالى : وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [ العنكبوت : 25 ] . وإنه لكلام جيّد ولو جعل المراد من ( هذا الحديث ) جميع ما تقدم من أول السورة